الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني
268
هداية المسترشدين ( طبع قديم )
على التخيير المفروض غير متجه ومنه يظهر الحال فيما لو كان في الأول على صفة الاضطرار لكن كان متمكنا من الصفة الاختيارية مع التأخير فإن قضية الأصل في ذلك أيضا وجوب التأخير أخذا بمقتضى الترتيب لصدق حصول التمكن معه حينئذ فلا يتعلق به التكليف بالأول مع إمكان أداء الواجب على وجهه والقول بتعلق الأمر به في كل جزء من أجزاء الزمان على وجه التخيير فيعتبر حاله في كل جزء من الزمان من القدرة والعجز فيأخذ بمقتضاه غير متجه إذ قد عرفت أن المطلوب في المقام هو حقيقة الفعل الواقع بين الحدين والتخيير الواقع بين أجزاء الوقت تخيير عقلي تبعي فمع صدق التمكن من الواجب الاختياري لا وجه للتنزل إلى ما يجب حال الاضطرار مع عدم قيام الضرورة عليه بل على ما ذهب إليه المصنف رحمه الله من التخيير كما هو ظاهر القائل المذكور ولا يتجه ذلك أيضا إذ أقصى الأمر أن يكون التخيير مرتبا إذ لا يساوق حال الضرورة حال الاختيار وعدم حصول التمكن منه بالنسبة إلى خصوصية ذلك الزّمان لا يقضي بعدم صدق التمكن منه مطلقا فلا وجه لترك ما يقدر عليه من العلم الواجب عليه مع الاختيار واختيار الآخر فلا يتجه لأصحاب الأعذار تقديم الصلاة في أول الوقت مع علمهم بزوال العذر في الآخر أو ظنهم به على حسب ما يقتضيه الأصل المذكور نعم لو قام عليه في خصوص المقام فهو خارج عن محل الكلام [ القول في تحقيق الحال في الواجب الكفائي . ] ولنتبع الكلام في الواجبين المذكورين بذكر الواجب الكفائي حسب ما جرت عليه طريقة القوم في المقام وكأنه تركه المصنف لعدم الخلاف في وقوعه وعدم ظهور الخلاف بيننا في وجوبه على الجميع حسب ما يأتي الإشارة إليه وعرف تارة بأنه الواجب الذي يريد الشارع وقوعه من غير أن يقصد عين فاعله حسب ما يستفاد من عدة من تعاريفهم وتارة بأنه الواجب الذي يسقط من الكل بفعل البعض علما أو ظنا وقريب منه ما يستفاد من الروضة من تحديده بما يجب على الجميع إلا أن يقوم به من به الكفاية فيسقط عن الباقين سقوطا مراعى باستمرار القائم به إلى أن يحصل الغرض المطلوب شرعا وأخرى بأنه ما وجب على الجميع لا على سبيل الجمع وفي معناه أنه ما وجب على الكل على البدل لا معا وأولى حدوده أنه ما وجب على الكل على وجه يقتضي أداءه من أي بعض كان ممن يحصل منه ذلك المطلوب ويستفاد ذلك أيضا من الرّوضة [ في تعدد الأقوال وبيان المراد في كل منها . ] ولا خلاف بين المسلمين في وقوعه في الشريعة بل لا يبعد دعوى الضرورة عليه في الجملة وحكاية الإجماع على وجوب خصوص بعض الواجبات كما في كتب الفروع وقد وقع الخلاف فيمن يتعلق به الوجوب الكفائي على أقوال ومنشأ الاختلاف أن حكم الكفائي بالاتفاق من الكل عصيان الجميع بالترك وأداء الواجب وسقوطه بفعل البعض فالأول قاض بوجوبه على الجميع وإلا لما عصى الكل بالترك والثاني قاض بوجوبه على البعض وجواز تركه من الباقين في الجملة وإلا لما أدى بفعل البعض والمنقول فيه أقوال ثلاثة [ القول الأول . ] أحدها أن الوجوب فيه متعلق بالجميع ويسقط من الباقين بفعل البعض وهو المحكيّ عن أصحابنا وقد نص عليه جماعة منهم وفي غاية المأمول أنه المشهور وعليه أصحابنا وأكثر العامة ثم إن ظاهر ما يتراءى من ذلك بل المحكي عنهم في ذلك أنه يجب على الجميع على نحو الوجوب العيني ويسقط الوجوب عنهم بفعل البعض قيل كما أن طرو الحيض عن مسقطات الصّلاة عن الحائض فالذي يوهمه ذلك وكلام جماعة منهم كون سقوط الوجوب حينئذ عن الباقين من جهة انتفاء الموضوع حينئذ بفعل البعض والذي يتقوى في النظر ويحتمل أن يكون مراد الجماعة كما هو الظاهر من بعضهم أنه يجب على الجميع على وجه يقتضي أداء ذلك الواجب بفعل البعض وسقوطه عن الباقين إنما هو بأداء الواجب لا بعروض مسقط له فليس من قبيل سقوط وجوب أداء الدين بأداء الغير له على وجه التبرع أو إبراء الغريم إياه حيث لا يبقى معه موضوع للدين حتى يجب أدائه بل إنما يسقط بحصول عين الواجب كسقوط سائر الواجبات العينية بأدائها ولا يكون أداء الواجب حينئذ إلا من المباشر له حيث إنه القائم به دون غيره [ القول الثاني . ] ثانيها تعلق الوجوب فيه بالبعض ممن يكتفي به في أداء العقل نظير ما ذكر في الواجب المخير من تعلق الوجوب بأحد الأفعال غير أن الإبهام هناك في المكلف به وهنا في المكلف وهو محكي عن جماعة من العامة كالرازي والبيضاوي وعزى إلى الشافعية ولم ينسب ذلك إلى أحد من الخاصة بل أكثر العامة على ما ذكر على خلافه فإن أريد بذلك كون المكلف هو البعض المبهم الغير المعين بحسب الواقع كما أنه غير معين عندنا فمن البين فساده لوضوح كون التكليف صفة وجودية لا يمكن تعلقه خارجا بالمبهم ضرورة صحة سلبه عن كل بعض معين فيصح سلبه كليّا عن الجميع فلا يجامع الإيجاب الجزئي وبتقرير آخر البعض المبهم غير موجود في الخارج فلا يعقل أن يتعلق به صفة وجودية في الخارج وإن أريد به تعلق التكليف بالبعض المعين بحسب الواقع وفي علم الله سبحانه وإن لم يتعين عندنا كما حكى ذلك أيضا قول في المقام وإن لم يعرف القائل به فهو أيضا ظاهر الفساد لاختصاص الوجوب إذن بذلك البعض وإن قام فعل الغير مقامه وقضى بسقوطه عنه حسب ما دل الدليل عليه إلا أن ذلك لا يقضي بعصيان الكل عند ترك الإتيان به كما يقضي به اتفاق الكل عليه غاية الأمر لزوم العصيان من جهة التجري إن سلم لزوم ذلك وذلك غير عصيانهم بترك الواجب على ما يقضي به الإجماع مضافا إلى أنه لا ترجيح للبعض على البعض في أداء المطلوب فتخصيص الشارع بعضهم بذلك دون غيره ترجيح من غير مرجح يستحيل حصوله منه وإن أريد به تعلق الوجوب بمطلق البعض على نحو الكلي الطبيعي الصّادق على كل من الأبعاض حسبما ذكر نظيره في الواجب المخير فيجب إذن على كل من الأفراد بدلا لانطباق مفهوم البعض عليه فهو عين القول بوجوبه على الكل على سبيل البدل إذ ليس المكلف مفهوم البعض بل هو عنوان الكل من أبعاض المكلفين فيكون المكلف هو كل من تلك الأبعاض على وجه يراد الفعل من أيّ منهم كان وقضية التكليف الحاصل على الوجه المذكور وأداء الواجب بفعل أي منهم وعصيان الجميع عند ترك الكل فيعود الخلاف بين القولين لفظيا [ القول الثالث . ] ثالثها القول بوجوبه على المجموع من حيث هو لا على كل واحد منهم ولا على البعض فمع الترك يلزم تأثيم المجموع بالذات وتأثيم كل واحد منهم بالعرض ومع إتيان البعض به يصدق حصول الفعل من المجموع في الجملة فيسقط الوجوب وعزى القول به إلى قطب الدين الشيرازي وأنت خبير بأن من الظاهر عدم وجوب الفعل على المجموع بحيث يكون المطلوب حصول ذلك الفعل من المجموع من حيث هو وكذا عدم وجوبه على المجموع بأن يراد صدور الفعل الواحد من المجموع لعدم الاكتفاء إذن بفعل البعض ووجوب تلبس المجموع بذلك الفعل إما بالتكرير كما في الأول أو التقسيط كما في الثاني فإن أراد من وجوبه على المجموع أن يجب على المجموع صدور